سبتمبر 29، 2009

اللغة العربية في طريق التلاشي بكردستان العراق


كرم نعمة


كشف تقرير لمعهد الحرب والسلام عن تلاشي أصداء التداول باللغة العربية في مدن شمال العراق.

وجاء في التقرير الذي كتبته باللغة الانكليزية نجيبة محمد مراسلة المعهد في أربيل، التي كانت تسمى عاصمة العراق الصيفية، ان خريجة جامعية تشكو من عدم قدرتها تدريس العربية بعد أربع سنوات دراسة في أحدى جامعات كردستان العراق.

وعبرت شذى خضير (24 عاما) عن افتقارها للثقة بتكلم العربية بطلاقة بالرغم من تخرجها من قسم اللغة العربية.

وقالت "اننا ندرس قواعد اللغة العربية والأدب فقط"، متساءلة "لماذا يجب علينا أن نتعلم عن حياة وقصائد الشاعر العربي الذي عاش قبل مئات السنين؟".

وبعد سنوات من دراسة اللغة العربية وحصولها على شهادة جامعية ما زال الخوف يراود شذى عن قدرتها لتعليم الطلاب الصغار اللغة العربية.

وتعد العربية هي اللغة الرسمية الثانية في مدن شمال العراق، الا ان عدد كبير من الاكراد الذين يقطنون مدن كردستان لا يستطيعون التكلم بها، وهي لغة وطنهم الرسمية الاولى.

ويتضاءل عدد الاكراد الذين يتكلمون العربية منذ احتلال العراق عام 2003، مع ان القوانين السارية تشير الى الزامية تدريس اللغة العربية في مدن كردستان العراق، الا ان التهاون في التطبيق يجعلها أحد الدروس الثانوية في المدارس.

ويتكلم جيل الكبار من الاكراد العربية بطلاقة بحكم الوشائج التي كانت قائمة قبل عام 1991 بين مدن العراق، ودراسة غالبيتهم في الجامعات العراقية وأدائهم الخدمة العسكرية في جيش العراق الوطني.

وتشير التقارير اليوم الى أن غالبية الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما من الاكراد لا يتكلمون اللغة العربية.

ويزيد اهمال تدريس وتعليم اللغة العربية في مدن شمال العراق من التحدي العنصري الذي يرفعه السياسيون، فيما كانت اللغة الكردية تدرس في المدارس العراقية ويوجد قسم للغة الكردية في كل كليات الاداب بالجامعات العراقية.

وكانت دار الثقافة والنشر الكردية في بغداد منوط بها الترويج للثقافة والأداب الكرديين حيث تصدر مجموعة من المطبوعات والكتب منها صحيفة "هوكاري" اليومية.

ويشير تقرير المعهد الدولي للحرب والسلام على موقعه الالكتروني باللغة الانكليزية الى ان اتساع الفجوة بين الاكراد واللغة العربية، ناجم عن النزاع السياسي بين الاحزاب الحاكمة في بغداد والسياسيين الاكراد الذين يطالبون بتوسيع مدن كردستان أكثر مما هي عليه الان.

واكتسبت المواجهات السياسية سمة لغوية في تعامل حكومة كردستان مع بغداد.

وتفرض السلطات الكردية على العرب وغيرهم من الاقليات الدينية والعرقية في المدن والضواحي المتاخمة لكردستان التكلم باللغة الكردية، فيما تمنع كتابة الاسماء واللافتات على الشوارع والمتاجر باللغة العربية.

وينفي السياسيون الاكراد تلك المزاعم مسوغين سياسة التكريد بانها رد فعل على سياسة حكومة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بتعريب المدن.

وطالب خسرو كوران احد المسؤولين الاكراد في زيارة له الى منطقة بعشيقة في محافظة نينوى التي يغلب عليها العرب المسيحيين بفرض تدريس اللغة الكردية على مدارس المدينة.

وقال كوران الذي سبق وان شغل نائب محافظ نينوى "يجب الا ننسى ان الكردية هي اللغة الأم، ومعظم الاكراد في بعشيقة لا يتكلمونها!".

واستبعد كوران اي دوافع سياسية في دعواه لتدريس اللغة الكردية، موضحا ان من مصلحة الاكراد دراسة اللغة الكردية وبعدها العربية.

وأضاف كوران في حديثة لمراسلة معهد الحرب والسلام "الشكوك كانت قائمة بين العرب والاكراد ابان حكم صدام حسين، أما اليوم فالخلافات حالت دون التبادل اللغوي بين ابناء البلد الواحد".

ويرى محللون في الشان العراقي ان الجيل القادم من القيادات الكردية معرض للخطر بسبب افتقاره الى التكلم بطلاقة اللغة العربية.

وقال المعلق أسوس هاردي "ان المسؤول الكردي الذي يجيد العربية هو أفضل 10 مرات من الذي لا يجيدها".

وتساءل هاردي "كيف يتسنى للمسؤول الكردي الذي لا يجيد العربية التصرف بين السياسيين العراقيين في بغداد؟".

واتفق فريد اساسارد رئيس مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية مع هاردي.

وطالب فريد المسؤولين الاكراد بتعلم العربية بطلاقة اذا ارادوا تمثيل المصالح الكردية في بغداد بشكل لائق.

ويعزو الكاتب الصحفي عبد الله قره غي (60 عاما) طلاقتة التكلم بعربية صحيحة الى سنوات تجنيده في الجيش العراقي، ومن ثم زواجه من امرأة عربية، وهو الامر نفسه الذي ساعد ابناء جيله من تعلم العربية.

وبعد عام 1991 أثر انسحاب السلطات المركزية في بغداد من ادارة مدن شمال العراق، عمت الفوضى والقتال بين الاحزاب الكردية، واهمل التعامل والتدريس باللغة العربية.

ووصفت نزناز محمد رئيسة لجنة التعليم العالي في البرلمان الكردي، الفترة بعد عام1991، بتأكيد الهوية الكردية.

وقالت نزناز "ان أغلب الأكراد الذين أنهوا دراساتهم الجامعية كانوا من الميسوري الحال آنذاك، فيما تسنى للفقراء الدخول للمدارس بعد عام 1991"!!

وكانت جامعة صلاح الدين في اربيل من بين أهم الجامعات العراقية التي تحتوي على أغلب التخصصات العلمية والانسانية ويقبل بها الطلاب من جميع مدن العراق، كما كان يدرس الطلاب الاكراد في جامعات البصرة وبغداد والموصل.

وقال الدكتور عثمان محمد عثمان امين صالح، أستاذ مساعد في اللغة العربية بجامعة صلاح الدين في أربيل "العديد من خريجي قسم اللغة العربية لا يتحدثون بها بطلاقة بسبب الموقف السياسي تجاه العرب".

والقى عثمان باللوم أيضاً على المناهج التي عفا عليها الزمن لفشلها في تعليم الطالب لغة عربية معاصرة.

وأكد وزير التعليم في الحكومة الكردية دلشاد عبد الرحمن على تجديد المناهج الدراسية في خطة مستقبلية من دون ان يحدد موعدا لذلك.

وقال "لا يمكن حصر اللوم على التعليم في ضعف تكلم الاكراد اللغة العربية، علينا الا ننسى التعرض الثقافي".

واضاف عبد الرحمن "تعلم لغة لا يعتمد كليا على التعليم، قبل عام 1991 كان البث التلفزيوني والإذاعي في معظمه باللغة العربية، لذلك تعلمها الناس لفهم قضاياهم".

وقال المحلل السياسي أسوس هاردي "من الظلم إلقاء اللوم على النظام التعليمي وحده، المشكلة تكمن في اللامبالاة الفردية".

واضاف "الجيل الجديد لا يشعرون بالحاجة لتعلم اللغة العربية، ولا تربطهم اي علاقة مع المناهج الدراسية، مع ان الجيل الأكبر سنا تمكنوا من إجادة اللغة العربية باستخدام نفس الكتب الدراسية".

وشهدت السنوات الأخيرة انتعاشا طفيفا في تعليم اللغة العربية في كردستان العراق. وفتحت المدارس العربية لتلبية احتياجات اللاجئين الذين نزحوا من المدن العراقية بسبب العنف، ويشكل العرب والاكراد اللذين يتحدثون العربية كلغة أولى النسبة الأعلى من النازحين.

ويوجد حاليا نحو 44 مدرسة لتدريس اللغة العربية للتعليم المتوسط من أصل ما مجموعه 21.635 من المدارس في اقليم كردستان، وفقا للارقام المعلنة من قبل حكومة الاقليم.

ويسعى معظم الاكراد لاتقان لغة ثانية في معاهد اللغات الخاصة التي انتشرت في المنطقة، وهناك احصائيات غير مؤكدة تشير إلى شعبية دورات تعلم اللغة الإنكليزية.

ويدرس في معهد "او أس اي" الذي تأسس في أربيل عام 1992، 240 من الطلاب لتعلم اللغة الانكليزية في دورة لمدة ثلاثة اشهر، فيما يدرس اللغة العربية 40 طالبا فقط.

ويأمل الدارسون للغة الانكليزية الحصول على عمل مربح في الاتصالات والتكنولوجيا.

وزعم حكيم كاكا ويس المترجم في الستينات من عمره، عدم انخفاض تعلم الاكراد للغة العربية.

وقال"انه من الطبيعي الا يتكلم الشبان الاكراد اللغة العربية، لانها ليست لغة إلزامية في التعليم".

واشار صاحب مكتبة في وسط مدينة أربيل الى انخفاض بيع الكتب العربية، مؤكداً أن عدداً محدوداً جداً من المكتبات تعرض الكتب العربية.

وقال"ابيع القواميس الإنكليزية أكثر من العربية".